أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
16
نثر الدر في المحاضرات
وكان واللّه خير ما يكون حين لا تظنّ نفس بنفس خيرا . قيل لشيخ : ما صنع بك الدّهر فقال : فقدت المطعم وكان المنعم واجمت النساء وكنّ الشفاء ، فنومي سبات ، وسمعي خفات ، وعقلي تارات . وسئل آخر فقال : ضعضع قناتي ، وأوهن شواتي وجرّأ عليّ عداتي . صعد أعرابي منبرا ، فلما رأى الناس يرمقونه صعب عليه الكلام فقال : رحم اللّه عبدا قصّر من لفظه ، ورشق الأرض بلحظه ، ووعى القول بحفظه قدم وفد من العراق على سليمان بن عبد الملك فقام خطيبهم فقال : يا أمير المؤمنين ، ما أتيناك رهبة ، ولا رغبة ، فقال سليمان : فلم جئت لا جاء اللّه بك . قال : نحن وفود الشّكر ، أما الرغبة فقد وصلت إلينا في رحالنا ، وأما الرهبة فقد أمنّاها بعدلك ، ولقد حبّبت إلينا الحياة ، وهونت علينا الموت ، فأما تحبيبك الحياء إلينا فبما انتشر من عدلك وحسن سيرتك وأما تهوينك علينا الموت فلما نثق به من حسن ما تخلفنا به في أعقابنا الذين تخلّفهم عليك . فاستحيى سليمان وأحسن جائزته . ذكر أعرابي في ظلم وال ، وليهم فقال : ما ترك لنا فضة إلا فضّها ولا ذهبا إلا ذهب به ، ولا غلّة إلا غلّها ولا ضيعة إلا أضاعها ، ولا عقارا إلا عقره ، ولا علقا إلا اعتلقه ، ولا عرضا إلا عرض له ، ولا ماشية إلا امتشّها ، ولا جليلا إلا جلّه ، ولا دقيقا إلا دقّه . قال عمر لعمرو بن معدي كرب : أخبرني عن قومك . فقال : نعم القوم قومي ، عند الطعام المأكول والسيف المسلول . دخل خالد بن صفوان التميمي على السفاح وعنده أخواله من بني الحارث بن كعب فقال : ما تقول في أخوالي ؟ قال : هم هامة الشرف وخرطوم الكرم ، وغرس الجود ، إنّ فيهم لخصالا ما اجتمعت في غيرهم من قومهم ، إنهم لأطولهم أمما ، وأكرمهم شيما ، وأطيبهم طعما ، وأوفاهم ذمما ، وأبعدهم همما ، هم الجمرة في الحرب ، والرّفد « 1 » في الجدب ، والرأس في كل خطب ، وغيرهم
--> ( 1 ) الرّفد : العطاء والصلة .